الصفحه الرئيسيهسفر وسياحهالصحه والغذاءالبوم الصوراتصل بنا

لبده بالأنجليزيهأغانى ليبيةخواطر و اراءشعرفيدو وصفات

 
 
 

حسين رحومة / درس فنلندي في احترام القانون

بعد علاقة غرامية قصيرة جدا خاضها رئيس وزراء فنلندا السيد ماتي فانهنن مع السيدة سوزان روزونن وذلك خلال السنة الماضية، افترقا الاثنان. علمت وسائل الاعلام بذلك فوجد السيد رئيس الوزراء نفسه على "قرمة" من الخشب الفنلندي الفاخر! النقد الذي مارسته وسائل الاعلام الفنلندية سوى كان ضد او مع السيد رئيس الوزراء، هو نوع من النقد المسموح به قانونا في فنلندا تحت بند حرية الرأي. بعد بضعة أشهر من انتهاء تلك العلاقة الغرامية، قامت السيدة سوزان بتأليف كتاب أوضحت فيه على الملأ كل الحكاية من طقطق الى سلا م عليكم بما في ذلك ما يتعلق بخصوصيات العلاقة..وحتى نوعية الأكل الذي يفضله السيد رئيس الوزراء نالت نصيبها من النشر.

وبدأ المولد من جديد. فرصة يعطي فيها الفنلنديين رئيس الوزراء على دماغه ( بالطرق السلمية طبعا وبدون اللجوء للعنف الجسدي ). السبب وراء اهتمام وسائل الاعلام بتلك القصة هو عدم توافر أخطاء أخرى للسيد رئيس الوزراء تمس ادائه لوظيفته الرسمية وتعطي الذريعة لوسائل الاعلام لنقده او لفضحه رسميا. وهات يا نكت وهات يا حرية رأي. انقلبت الآراء بالطبع الى مؤيد لنشر الكتاب بحكم أن مؤلفة الكتاب مواطنة فنلندية وقانون فنلندا يضمن لها حرية التعبير عن الرأي بكل الطرق السلمية..والى معارض يرى أن نشر الامور الشخصية عن طريق وسائل الاعلام يعتبر مخالف للاعراف الاجتماعية وقواعد ممارسة حق حرية التعبير عن الرأي. الشعب الفنلندي شعب صادق وصريح الى أبعد الحدود ودغري أكثر من مسطرة مدرسي الرياضيات في الدول العربية. فمثلا عندما سئل رئيس الوزراء عن فحوى الكتاب، اعترف بصحة ما جاء فيه وأضاف بأنه لم يكن يعتقد بأن هذة الأمور قد تنشر أو قد تهم أحد ما. كلنا بشر وكلنا نخطئ ونصيب. كذلك أضاف سيادته في أعتراف صريح بأنه أخطأ الاختيار بدخوله في علاقة من ذلك النوع مع المواطنة المذكورة.

كتاب السيدة سوزان روزونن لم يحقق أي نجاح يذكر حيث طبع منه عشرة الآف نسخة وما تم بيعه منها لم يصل الى الألف نسخة بعد. لم أجد في الكتاب ما يستحق تسميته بالفضيحة او بالخارج عن المألوف في فنلندا عدا أن المشارك في احداث القصة هو شخص مسؤول وله مركز سياسي في هذا المجتمع. كلها احداث وممارسات عادية تمارس يوميا من قبل مئات الالاف من البشر. وبسبب الاحباط الذي اصيب به السيد رئيس الوزراء من جرأ الفعلة السوداء للسيدة سوزان، أقام رئيس الوزراء دعوة قضائية على العشيقة السابقة ودار النشر التي نشرت كتابها متهما سوزان ودار النشر بخرق الحدود التي يوفرها القانون الفنلندي لكل مواطن، ومتهما اياها بعدم احترام الثقة التي وضعها فيها وبأنه كان من اللائق مشاورته في موضوع نشر الكتاب. لنلاحظ هنا انه لم تقم اية جهة رسمية او غير رسمية بالمطالبة بسحب الكتاب من الاسواق او منعه من التداول!

بدأ تداول القضية أمام المحاكم الفنلندية حتى أختتمت دراسة القضية يوم 6 مارس 2008 ليصدر قرار المحكمة في هلسنكي برفض الاتهام والدعوة المقدمة من رئيس وزراء فنلندا ضد المواطنة سوزان روزونن! صدر القرار استنادا الى مواد قانون حرية التعبير عن الرأي وضمان حق الكلام لكل مواطن. هي تدافع عن حرية الرأي والتعبير بطريقة سلمية وهو يؤمن بذلك الحق لكنه يقول انه مع حرية التعبير عن الرأي ولكن بدون الخوض في خصوصيات الآخرين التي تهم حياتهم الشخصية فقط وبدون توجيه التهم جزافا.

ما يهمني هنا هو انه لم ينفع السيد رئيس الوزراء الفنلندي وجود محامي من " اجدع " محامي فنلندا الى جانبه..ولم تشفع لرئيس الوزراء لا هيبته الرسمية ولا حزبه ولا انجازاته العملية ولا مقامه وخسر القضية. رئيس الوزراء " بطوبته " خسر القضية لأن القاضية والمحكمة احتكموا الى بنود القانون. خسر رئيس الوزراء القضية لتربحها مواطنة عادية حتى بالرغم من أن هذة "المواطنة العادية" استغلت علاقتها الغرامية برئيس الوزراء وتحولت الى انسانة انتهازية تستغل ما حدث بينها وبين رئيس الوزراء في تسلق سلم الشهرة وتحلم بتحقيق المال والشهرة بتلك الطريقة الخبيثة. خسر رئيس الحكومة وربحت المواطنة لأن القاضية احتكمت الى بنود قانون حي يسري على الجميع ويحترمه الجميع. قانون لا يفرق في الحقوق والواجبات بين رئيس الوزراء والعامل العادي..قانون لا يملي بنوده القاسية على الضعيف ويخاف من القوي.

العبرة من هذة القصة الفنلندية: لو حدث مثل هذا في دولة عربية مثلا، الى جانب من سيقف القاضي؟ وكم من الايدي ستلعب ببنود القانون لتغيره لصالح السيد فلان لأنه ابن فلان أو لأنه وزير او بيه كبير او من الأغنياء؟

حاولت ايجاد دولة عربية واحدة لا ترفع فيها شعارات " القانون فوق الجميع " أو " العدل أساس الحكم " فلم اجد. حاولت ايجاد نظام سياسي عربي واحد لا تداس فيه بنود القانون ان وجد ولا تترجم فيه مواد القانون لصالح جماعة على حساب جماعة أخرى فلم أجد.

الانظمة والقوانين الموجودة بالكثير من الدول الغربية مثل فنلندا ليست كلها في قمة الابداع الانساني، لكنها عندما تسن وتتم الموافقة عليها من قبل الشعب ونوابه في البرلمان تتحول الى شئ مقدس لا يستطيع حتى رئيس الجمهورية او رئيس الوزراء تغيير ولو حرفا واحدا من بنوده بدون دراسة جدوى التغيير من قبل لجان برلمانية وأناس متخصصين في القانون والشؤون الدستورية..والا تحول الموضوع الى مهزلة وتضيع حقوق المواطن بين هذا وذاك من الذين تقودهم مصالحهم الشخصية فقط او يسعون للنيل من بعض الافراد في المجتمع.

والخلاصة: حرية الرأي نعمة من الله وجزء من كيان البشر وشئ جميل جدا خاصة عندما يضمنها القانون للجميع وبدون تفرقة بين ابن رئيس الحكومة وأبن العامل البسيط. وبشرط ان لا يتحول حق التعبير عن الرأي الى مشجب نعلق عليه اخفاقاتنا ولنحوله الى طريقة من طرق " فش الغل " او الانتقام و تشويه سمعة الآخرين بدون أدلة مثلما يفعل بعض الشواذ من السفلة الدنماركيين.

فيا سادة يا مسؤولين..احترموا القانون ان اردتم ان تصبحوا قدوة للمواطن البسيط ويكفيكم رفعا للشعارات العقيمة التي فقدت مصداقيتها وليس عيبا أن نتعلم من ايجابيات الآخرين قبل أن نلعن سلبياتهم. التاريخ لا يغفو ولا ينام وفالح في الكتابة.

حسين رحومة

10 مارس 2008