|
رد الاعتبار للعكّارية
بقلم/ حسين ارحومة
أتت من فرنسا الي شمال أفريقيا لتستوطن بلدنا
فدخلت شوارعنا، مزارعنا وأسواقنا
رمادية اللون، البيجو 404 ( نقل، قيطون، مشمع..
)، أحضرت لنا الدلاع والبطيخ والشمّام وعراجين
البلح والرطب والكثير من الخيرات التى تجود
بها أرضنا المعطأة
العكّارية هذه، جابت القرى والبوادي والمدن
والحقول والمزارع، مكتظا ظهرها المفتوح بسلات
.الخبز والطيور والاغنام والطناجر والمنادير
وعالات الشاهى للأفراح والمآتم والزرادي
احتضنت الملايين من المسافرين.
ضحك البعض على منظرها واستهزأ البعض الآخر
بغطاء رأس أو طاقية قائدها المائل حالهه
وأطلقت تسميات طريفة على سائقيها وأغطية
رؤؤسهم. وسمّيت (الطاقية) ب (جهاز منع الذكاء)
وسميّت لفافة غطاء رأس سائق ( البيجو المشمع)
ب ( التكييف المركزي)..وكل من يستعمل
العكّارية ( شلافطي) أو فلاح..ونسينا ان
العكارية تستعمل في القرية وفى المدينة ومن
قبل مواطنين بسطاء لا يبحثون عن الكماليات فى
المركوب بقدر بحثهم عن البساطة والمتانة وقوة
التحمل التى هى كل مقومات وجود هذة العكّارية
العجيبة
نظلم هذة المركبة كثيرا وكل يوم..فتختفي
العكّارية فى المساء لتظهر علينا في صباح
اليوم التالي متناسية لانتقادات و (قرمة)
الامس مبتسمة كعادتها ومليئة بالغذاء والحكاوى
كم هى غفورة ومتسامحة هذه الفرنساوية
!
تراها تلفح الاشعة الحارقة لشمس شمال أفريقيا
ظهرها العاري في الصيف وهى تجري من قرية الي
قرية ومن مدينة لأخرى توزع علينا الفرح
والحزن..الخبر السعيد ونقيضه الحزين.
وفى الشتاء، تغسل غدران شوارعنا بطنها وتمسح
الأمطار ( قيطونها ) المتعب.
هذة العكّارية بردائها المشمع الباهت، صنعت
وزودت بقدرة عجيبة على التأقلم مع بيئة مثل
بيئتنا الخشنة. ومع ميلادها صدر الحكم عليها
بالأشغال الشاقة المؤبدة،
وأرتضت حمامة السلام هذة الحكم الصادر ضدها
ونفذته فى طاعة عمياء.
هذا قسمها ونصيبها. ولكن، كم من ليبي أحبها
باخلاص؟ وكم من ليبي قسى عليها وحرمها حتى من
الصيانة الدورية ولم يغيّر زيوت أحشائها فى
الموعد المناسب؟
هل تستطيع تصور طرق ليبيا بدون طلتها البهية؟
كم من ليبي يذكر فضل العكّارية علينا؟ وكم من
ليبي تعوّد على رؤيتها ولم يتوقف للتفكير فى
ما قدمته لنا هذة المركبة من خدمات؟
كم من ليبي ركل اطاراتها في عصبية صبيحة يوم
شتوي بارد، لأن محركها ( مد لاربعه ) وأعلن
الاضراب عن العمل حتى اعلان آخر؟
كم من ليبي اتكئ عليها فى ود وعرفان بالجميل
ومسح نظاراتها الكبيرة فى حنان وعطف؟ وكم من
ليبي ربت على مفتاح مذياعها ومسجلها طالبا
المزيد من أغاني العلم والمالوف
والكثير من أغانينا الشعبية المليئة
بالمحبة..والدموع..البكاء واللحن الحزين
الجميل؟
ماذا عن عدد الليبيين الذين زخرفوا بابها
الخلفي ب ( سيري وعين الله ترعاك) أو ( عين
الحسود فيها عود) أو (الصبر جميل) أو(يا حمامة
طيري طيري)؟
كم من أطفال ليبيين انتظروا عودة الوالد الى
البيت، وعند رؤيتهم للعكارية وهى تظهر عليهم
من بعيد ومن وراء نخلات أو زيتون (الحوازه) أو
فى راس الشوكة، قفزوا فرحين
ليعلنوا فى طفولة بريئة..(بونا جا..بونا جا)؟
تغيرت الاحوال والدنيا وتطورت المركبات
وعقليات البشر ومتطلباتهم، ولم يعد للعكّارية
مكانتها المرموقة كما فى الماضي، وهذة سنة
الحياة.
أنا لا أعتقد ان العكّارية قبيحة الشكل أو أن
لونها الرمادي يصيب الناظر اليها بالاحباط.
لأن ما أحضرته لنا من رمان وحبق ونعناع وخبز
وفحم وأسمنت وأخبار وعراجين بلح وصناديق
المشماش والعوينه والخيار.
كل ما أحضرته لنا أدخل البهجة الى قلوبنا
وتحولت هذة العكّارية الى جزء مهم في حياتنا.
أقترح على الاخوة فى اللجان المشرفة على سوق
الثلاثاء مثلا اقامة نصب تذكاري لهذة
الفرنساوية البدوية بالقرب من السوق وذلك
للتذكير بخدمات العكارية لنا وبالقدرة الخارقة
لهذة الفرنسية
على الهجرة الى ليبيا وتحولها الى ليبية مخلصة
لهذا البلد المعطأ.
وحتى موعد وصول عكّارية القرن الواحد
والعشرين..لنحافظ على ما تبقى لنا من عكاريات
ونعتني بهن قبل احالتهن الي التقاعد. |