رئيس وزراء فنلندا وانا المواطن العادي
بقلم / حسين
ارحومة التربي
في يوم من أيام
يوليو 2005، دخلت سوبرماركت (كودين اوكنن) الواقع بمنطقة (بتيكو)
القريبة من محل اقامتي في هلسنكي. هذا المحل متخصص في بيع المواد
المنزلية والاجهزة الالكترونية
والاثاث المكتبي والزهور.
وبما
أن آلة الطباعة (برنتر) المتصلة بجهاز الكمبيوتر لدي في البيت أعلنت
تقاعدها من طرف واحد، كنت في .حاجة
لشراء وتصعيد من يخلفها
دخلت المحل لأبدأ
رحلة البحث عن الحمرا والجرّايا واللي ما تاكلش الشعير.
آلة برنتر وسكانر
ونسخ بمواصفات معينة ويفضل أن تكون معقولة الثمن وجميلة البدن ومضمونة
لسنة أو سنتين ولاتستهلك الحبر و..
كنا في شهر يوليو
وهو شهر الاجازات في فنلندا، حيث يهرب اغلب سكان هذا البلد اما الى هدؤ
البيوت الصيفية على ضفاف البحيرات الفنلندية الجميلة، أو الى شواطئ
ومنتجعات جنوب اوروبا لأجل الراحة والهروب من العادي الممل. كون أن
المحل لم يكن مزدحما أعطاني فرصة جيدة للحديث مع أحد الباعة العاملين
بالمحل. أخبرت البائع .بطلبي، فعرض علي عدة اختيارات وقدم لي شروحا
دقيقة عن كل اختيار
رئيس وزراء فنلندا
السيد ماتي فانهانن طويل القامة بشكل ملفت للنظر، وليس من السهل تجاهل
وجوده في المكان. .لمحت السيد فانهانن علي بعد خطوات بسيطة مني
يخدمه بائع آخر
كان رئيس الوزراء
الفنلندي يقضي اجازته الصيفية وهذا ليس سرا من أسرار الدولة ولا يخفى
عن الشعب. سيادته كان يرتدي شورت (بنطلون نص كم يعني) وقميص تي شيرت
وصندل (حذاء صيفي مكيّف) وكان هو الآخر يبحث .عن الحمرا والجرّايا
واللي ما تاكلش الشعير
بعد ان استوعب
البائع الذي كان يخدمني طلبي، عرض علي أن اتبعه الى رف بضاعة آخر حيث
يوجد ما أبحث عنه. كان ذلك الرف هو الرف الواقف امامه رئيس وزراء
فنلندا، فأقتربنا منه. سأل البائع الذي كان يساعدني زميله الذي
كان يخدم رئيس الوزراء عن احدى الآلات، فرد عليه قائلا أن السيد رئيس
الوزراء أشترى آخر قطعة. ألتفت .السيد رئيس الوزراء محمر الوجه
باتجاهي وقال معتذرا في عفوية غير مصطنعة / أنا أسف! يبدو أنني سبقتك
اليها
بالطبع لم اتوقع
أي حديث مع سيادته، لكنني رددت عليه مازحا / سبقتني اليها ليس لأنك
أسرع مني، بل لأنني أبطء منك. وضحكنا جميعا في بساطة تلقائية.
وفي سرعة رهيبة قارنت بين هذا الموقف وبين ما يمكن ان يكون عليه في
دولنا العربية. كم من بائع سيركض هنا وهناك ليبحث للسيد رئيس الوزراء
عن آلة طباعة؟ وكم من مندوب شركة سيفعل المستحيل من أجل أن ينقل
عددا كبيرا من الاجهزة لمكتب أو بيت السيد سكرتير أو سائق رئيس الوزراء
وليقدم له آلتين مجانا بدلا عن آلة واحدة؟ وان أراد السيد رئيس الوزراء
العربي النزول بنفسه الى السوق ليتسوق، كم من حماية وحراس شخصيين
سيأخدهم معه وكم سيستمر غلق الشارع الموجود به ذلك المحل؟ ما هو
العدد المنطقي لمصالح المواطنين العاديين التى ستعطل بسبب زيارة بهي
الطلعة السيد الوزير الأمين لذلك السوق؟
وجدتها فرصة ذهبية
لاستخدم حقي الديمقراطي وأفش في السيد رئيس الوزراء غلي، فقلت له /
أعتقدت لوهلة بأن ..السيد رئيس الوزراء سيترك هذة الآلة الآخيرة
في هذا المحل لهذا المواطن
العادي
أتاني رده
التلقائي في نبرة ودودة / كلنا مواطنون عاديون يا صديقي! ضحكنا مرة
أخرى في تلقائية عفوية مضى بعدها
كل منا في طريقة.
وجدت آلة
تناسبني، اشتريتها وغادرت المحل.
كنت أعلم بأننا
كلنا مواطنين عادييين من البداية الى النهاية، لكن السيد رئيس وزراء
فنلندا ببساطته وعاديته أقنعني .أكثر بأننا بالفعل في ظل هذا النظام
الديمقراطي البسيط.. في النهاية كلنا مواطنين عاديين
ألم يكن السيد
رئيس وزراء فنلندا، مثلي أنا المواطن العادي يبحث عن الحمرا والجرّايا
واللي ما تاكلش الشعير؟ لن اسأل/ أين سلوك السادة الوزراء والمسؤولين
العرب من هذا السلوك المتحضر؟
ولماذا لا أسأل؟
لأنني أشك في وجود حق السؤال لدى المواطن العادي العربي.
حسين ارحومة
التربي |