
حسين ارحومة
ليبيا والحاجة لقطاع سياحي متحضر
بمجرد
ان وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وتخلص العالم من أثار الدمار الذي تسببت
فيه نلك الحرب اللعينة، انتعشت
الأوضاع المادية للكثير من البشر مع تحسن الحالة الاقتصادية للكثير من الدول
خاصة امريكا وبعض الدول الاوربية واليابان.
وأستمر
ذلك الانتعاش الاقتصادي والتطور في مستوى المعيشة حتى وصل الى اماكن أخرى من العالم
مثل الدول الاسكندنافية وكندا واستراليا. رافق تحسن الاوضاع المعيشية في
الدول الصناعية تطور هائل في وسائل المواصلات، وتحسن في ظروف العمل منها ضمان حصول
الموظف و العامل على اجازة سنوية قد تمتد لعدة أسابيع يقضيها في الترفيه عن نفسه
وفي الابتعاد لفترة بسيطة على الأقل عن مكان اقامته المعتاد والقريب من مكان العمل
ولكي يستجمع طاقاته ويشحن "بطاريته" استعدادا لمواصلة العطاء بعد انتهاء الاجازة
السنوية.
وليس
هناك أفضل من قضاء الاجازة أو نصفها على الأقل في السفر واستكشاف الجديد
والمجهول..بعيدا عن المألوف الممل.
وواصل
الآف البشر سفرهم وترحالهم شمالا وجنوبا..شرقا وغربا في سباق محموم للتعرف على
حضارات جديدة والاستمتاع بما تجود به الكرة الأرضية من اختلافات. وزار
الامريكيين واليابانيين والاوربيين كل المناطق الأثرية المهمة في العالم..شهقوا
لرؤية ابوالهول وأهرام الجيزة..استمتعوا بعظمة سور الصين العظيم..اندهشوا لرؤية
شلالات نياغرا..عشقوا الجزراليونانية..
جربوا
أكلة الكسكسي في مراكش..عرفوا جمال الهندسة المعمارية الاسلامية في قصر الحمرا
بالاندلس..شربوا الشاى ودخنوا الشيشه في مقاهى خان الخليلي في القاهرة..ركبوا
الفيله في الهند..صلوا مع الكهنة في التيبت..خاضوا مغامرات جميلة لا تنسى في ادغال
وصحارى أفريقيا وعلي ضفاف نهر الامازون.التقطوا ملايين الصور لبحيرة جنيف وميدان
البيكاديللي وجسر سان فرانسيسكو..
تمتع
مئات الملايين من البشر القادمين من الشمال البارد بحرارة شمس الصيف في الجنوب
الملتهب..استمتع بالتزحلق علي الجليد حتى من لم يرى الثلج في حياته. عرفوا
الشمس وفائدة دفئها والبحر وأمواجه والحياة البحرية والحياة الصحراوية وكيف يعيش
شعب الاسكيمو أو البدو أو السكان الاصليين لاستراليا. حزموا حقائبهم وقطعوا
الآف الكيلومترات ليتعرفوا علي الأثار القديمة منها الروماني ومنها الاغريقي
والاسلامي والبوذي..دفعوا الكثير من المال ليكحلو عيونهم برؤية منظر تاج محل او برج
ايفل أو مدينة ديزني.
قضوا
الشهور وهم يذخرون مصاريف السفر..وسافروا..وسافروا وتعلموا وتعرفوا على عادات
وتقاليد شعوبا لم تكن معروفة لديهم..وتذوقوا أكلات شهية ومختلفة لم يكن من الممكن
تذوقها في بلدهم.
زارت
هذه الملايين من البشر اسبانيا والمكسيك وفرنسا وبريطانيا وكينيا وموراشيوس والهند
والصين وأمريكا وتركيا وايطاليا واليونان وجزر البهامس وكوبا. حتى جزر البحر
الأبيض المتوسط الصغيرة مثل مالطا وكريت وقبرص ورودس وكورفو أخذت حصتها من كيكة
السياحة..جارتنا تونس الخضراء قطعت شوطا لا بأس به في المجال السياحي وتعتبر مثلا
متطورا يحتذى به علي المستوى الدولي كذلك. ولولا الانتكاسة التى مر بها قطاع
السياحة في لبنان بسبب تلك الحرب الأهلية الغبية، لاستحوذت شجرة الأرز اللبنانية
علي أكبر مساحة من السوق السياحية في الشرق الأوسط. لابد لي هنا من تسجيل
اعتزازي واحترامي للروح اللبنانية المتطورة والمتحضرة التي تسابق الوقت من أجل
تعويض لبنان بعضا مما خسره بسبب دمار الحرب الأهلية، فها نحن شاهدين علي سرعة دوران
عجلة البناء والتعمير في لبنان بفضل عزيمة وتصميم الشعب اللبناني وادراك اللبناني
واللبنانية للقيمة الحضارية لبلدهم ولرغبتهم في الاستفادة والافادة من خيرات الوطن.
الامارات العربية المتحدة تعتبر من الدول الأولى عالميا في مجال الخدمات السياحية
وتمتلك مجموعة ممتازة جدا من أفخر الفنادق والمنتزهات وكلنا نعلم التقدير الدولي
الذي تتمتع به الاماراتية للطيران. قائمة الدول التي دخلت سوق السياحة
واستفادت من التجربة قائمة طويلة جدا والمنافسة بين تلك الدول على أشدها. ما
يحزنني هو غياب اسم بلدي ليبيا من تلك القائمة بالرغم من ان
ليبيا
تمتلك
الكثير من عوامل الجذب السياحي مثل الآثار والشواطئ والصحراء والموقع الاستراتيجي
وعادات كرم الضيافة واحترام الزائر والضيف.
كل
الاحصائيات العلمية التي تم ويتم تجميع حقائقها وأرقامها عن الدول الرائدة في
المجال السياحي، كل تلك الحقائق تدل علي أن القطاع السياحي لتلك الدول وما قدمه من
عملة صعبة أنعشت الاقتصاد الوطني للدول المعنية يعتبر نشاط اقتصادي مهم جدا لا يمكن
تجاهله. بل أنه في بعض الحالات يصل لمرتبة قد تمكنه من دفع تلك الدول الي عدم
الاعتماد علي عائدات مبيعات النفط أو يتحول لقطاع ونشاط اقتصادي داعم للنشاطات
الآخرى مما يؤدي بدوره الي انعاش صندوق الميزانية وتخفيف الضغط علي مورد واحد
للدخل.
ان
الاستفادة الاقتصادية التى قد يجنيها الاقتصاد الليبي والشعب الليبي من دخول السوق
السياحي بقوة وبتصميم وتخطيط علمي أمر مؤكد ومفروغ منه ولا يجب التشكيك فيه أبدا.
وسيوفر قطاع السياحة عشرات الالاف من فرص العمل للشباب الليبي العاطل عن العمل، وقد
يوفر فندقا واحدا فقط أكثر من 100 فرصة عمل لشباب وعائلات ليبية هم اليوم في أمس
الحاجة الى ذلك.
ان
تنفيذ قطاع سياحي قوى لليبيا علي أرض الواقع، سيعتبر انجازا عظيما تذكره الأجيال
القادمة من الليبيين ولن ينسى ليبييو الغد كل من شارك في تحقيق هذا الحلم الوطني
الجميل..فالنفط كما نعلم تتناقص قطراته يوما بعد يوم، وسيأتي اليوم الذي سيستغنى
فيه العالم عن خدمات البترول وليتحول اسمه الي "الأسود" فقط..وليس "الذهب الأسود"
كما يحلو للبعض تسميته وتدليعه اليوم.
أحلم
برؤية اليوم الذي ستدخل فيه ليبيا سوق المنافسة السياحي بكل ثقلها وأن نجعل الثقة
في النفس وفي امكانيات بلدنا تقودنا لانتزاع نصيبنا وحصتنا من السوق الدولية
للسفر والسياحة. الامكانيات المادية متوفرة ولابد من توافر العزيمة علي توجيه
تلك الموارد المادية أو جزء كبير منها لنخلق بنية تحتية فندقية وسياحية متينة
تؤهلنا لدخول المنافسة. نسمع عن مشاريع وخطط سياحية طموحة سيجرى تنفيذها في ليبيا
وهذه أخبار جيدة وايجابية ونتمنى سرعة التنفيذ والبث في تلك الخطط والمشاريع لتصبح
حقيقة علي أرضنا الليبية المعطاءة.
أحلم
باليوم الذى سيأتى فيه ملايين السياح الى بلدي الجميلة وأراهم يلتقطون الصور لمعابر
التاريخ في وطني.
أحلم
برؤيتهم وهم يتأملون عظمة الحضارات الرومانية والاغريقية والاسلامية التي اختارت
ليبيا وطنا لها والانجازات العظيمة لهذا الشعب العظيم.
أنتظر
اليوم الذى سيقف فيه الليبي والليبية ليقولوا/ اليوم ننطلق بكل تصميم وعزيمة ومحبة
ليبية لنعرّف العالم بالقيمة الحقيقية لبلدنا الجميلة ولنضع ليبيا حضاريا وثقافيا
وسياحيا علي خارطة العالم.
ننتظر
ونحلم..نحلم وننتظر..فهل سيطول انتظارنا؟
حسين
ارحومة